السيد عبد الأعلى السبزواري

23

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

غنيا لغناه ولا يرحموا مسكينا لمسكنته ، وفي قوله تعالى : فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا فتذروا الحقّ فتجوروا ، وَإِنْ تَلْوُوا يعني : ألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها » . أقول : إنّ العدل الإسلامي والحقّ الواقعي يقتضي عدم الفرق في القضاء - الّذي هو منصب إلهي به يصان أعراض الناس ويحفظ أموالهم ويراعى شؤونهم - بين الأصناف والأفراد ، بل الأديان السماويّة غير المنحرفة جاءت لتثبيت ذلك في الأرض ، والرواية لا تدلّ على شيء أزيد ممّا ذكرنا كما تقدّمت رواية علي بن إبراهيم الدالّة على ذلك . وفي الدرّ المنثور في ضمن رواية : « انّ نبي اللّه موسى عليه السّلام قال : يا ربّ أي شيء وضعت في الأرض أقل ؟ قال : العدل أقلّ ما وضعت » . أقول : وجود الشيء غير كميّته أو كيفيّته ، فأصل وجود العدل الّذي هو من ذاته الأقدس وبه قامت السماوات والأرض وبه بعث الأنبياء والأوصياء موجود وممّا لا ريب فيه ، وهو من مظاهر صفاته وأسمائه ، وأما مقداره الّذي وضع في الأرض وجاء به الأنبياء ، فكان ذلك حسب أهليّة سكناها ، وهو غير معلوم فلو كان أكثر من القليل لما احتاجوا الناس إلى القضاء وما وقع الأنبياء عليهم السّلام في المشقّة والتعب ، والحكمة في ذلك أنّه بالأقلّ يميّز الخبيث من الطيب ، مع أنّ الأقلّ من الأمور الإضافيّة . وفي تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، قال عليه السّلام : « سماّهم مؤمنين بإقرارهم ، ثم قال لهم : صدقوا له » . أقول : إقرارهم كان في عالم الذرّ كما في بعض الروايات ، وتصديقهم كان في عالم الشهادة ، والفرق بين عالم الذرّ والفطرة أنّ عالم الذرّ هو الفطرة قبل بعثة الأنبياء وقبل خلق عالم الشهادة ، والفطرة بعد البعثة ومجيء آدم عليه السّلام . وبعبارة أخرى : عالم الذرّ عالم من العوالم ، والفطرة هي الّتي على ما هي عليه .